الخطيب الشربيني
56
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
على نفسه ما كان شدّد عليها فَأُولئِكَ أي : البعداء من الله تعالى هُمُ الظَّالِمُونَ أي الغريقون في وضع الأشياء في غير مواضعها . وأدغم أبو عمرو والكسائي الباء في الفاء . واختلف عن خلاد والباقون بالإظهار . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي : اعترفوا بالإيمان وإن كانوا في أوّل مراتبه اجْتَنِبُوا أي : كلفوا أنفسكم أن تتركوا وتبعدوا وتجعلوا في جانب بعيد عنكم كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ أي : في الناس وغيرهم واحتاطوا في كل ظنّ ولا تتمادوا معه حتى تجزموا بسببه . تنبيه : أفهم ذلك أنّ من الظنّ ما لا يجتنب كما في الاجتهاد حيث لا قاطع وكما في ظنّ الخير في الله تعالى : ففي الحديث « أنا عند ظنّ عبدي بي فلا يظنّ بي إلا خيرا » « 1 » بل قد يجب كما في قوله تعالى : لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً [ النور : 12 ] وقيل : نزلت في رجلين اغتابا رفيقهما . « وذلك أنّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم كان إذا غزا أو سافر ضمّ الرجل المحتاج إلى رجلين موسرين يخدمهما ويتقدّم لهما إلى المنزل فيهيء لهما طعامهما وشرابهما فضمّ سلمان الفارسيّ إلى رجلين في بعض أسفاره فتقدّم سلمان إلى المنزل فغلبته عيناه فلم يهيىء لهما فلما قدما قالا له : ما صنعت شيئا ، قال : لا غلبتني عيناي ، قالا له : انطلق إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فاطلب لنا منه طعاما فجاء سلمان إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : وسأله طعاما فقال له رسول الله صلى اللّه عليه وسلم انطلق إلى أسامة بن زيد وقل له : إن كان عندك فضل من طعام فليعطك وكان أسامة خازن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وعلى رحله فأتاه فقال : ما عندي شيء فرجع سلمان إليهما فأخبرهما فقالا : كان عند أسامة ولكن بخل فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئا فلما رجع قالا له : لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها ثم انطلقا يتجسسان هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فلما جاءا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال لهما : ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما قالا والله يا رسول الله ما تناولنا يومنا هذا لحما . قال ظلتم تأكلون لحم أسامة وسلمان فأنزل الله عز وجلّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ « 2 » . وقوله تعالى : إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ تعليل مستأنف للأمر قال صلى اللّه عليه وسلم : « إياكم والظنّ فإنّ الظنّ أكذب الحديث » « 3 » والإثم الذنب الذي يستحق العقوبة عليه وجعل الزمخشري همزه بدلا من واو قال : لأنه يتم الأعمال أي يكسرها قال ابن عادل : وهذا غيره مسلم بل تلك مادّة أخرى . قال سفيان الثوري : الظنّ ظنان : أحدهما : إثم وهو أن يظنّ ويتكلم به والآخر ليس بإثم وهو أن يظنّ ولا يتكلم به . وقوله تعالى وَلا تَجَسَّسُوا حذف منه إحدى التاءين أي لا تتبعوا عورات المسلمين ومعائبهم بالبحث عنها قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا » « 4 » وقال عليه الصلاة والسلام : « يا معشر من آمن بلسانه ولم »
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في التوحيد حديث 7505 ، ومسلم في الذكر حديث 2675 ، والترمذي في الزهد حديث 2388 ، وابن ماجة في الأدب حديث 3822 . ( 2 ) انظر البغوي في تفسيره 4 / 261 ، وابن كثير في تفسيره 4 / 254 . ( 3 ) أخرجه البخاري في النكاح حديث 5143 ، ومسلم في البر حديث 2563 . ( 4 ) هو تتمة الحديث رقم 5143 عند البخاري ، ومسلم رقم 2563 .